العودة للخلف

2) حاشية منظومة القواعد - القاعدة الأولى : الأعمال بالنيات

تاريخ النشر: 12 / 09 / 2026
: 5

قاعدة : الأعمال بالنيات

قال الناظم رحمه الله:

11- النِّيَّةُ شَرْطٌ لِسَائِرِ العَمَل


 

بِهَا الصَّلَاحُ وَالْفَسَادُ لِلْعَمَل


هذا البيت تضمَّن القاعدة الكبرى (الأعمال بالنيات) ويعبَّر عن هذه القاعدة بـ (الأمور بمقاصدها). وهي إحدى وأهم القواعد الكبرى المتفق عليها، وتحتها قواعد فرعية كثيرة.

* ألفاظ القاعدة:

النية: بالتشديد والتخفيف، مصدر نوى ينوي، أي: قصَد فيما قاله ابن فارس. أو عزَم بقلبه قاله الجوهري وغيره. وجمع ابنُ القيم بينهما فقال: النية القصد والعزم على فعل الشيء. ولها ركنان: الإرادة والعلم. فالنية تتبع العلم، فمَن علم شيئًا وقصده عازمًا على عمله فقد نواه. وإنما يتصور عدم النية من المكلف إذا لم يعلم ما يريد مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة. ومن لم يعلم بدخول رمضان فأصبح غير ناو للصوم. ومتى قصد المكلّف بعمله التقرُّب إلى الله صار عبادة. ومحلّها القلب باتفاق. وهي عمله لا مدخل للجوارح فيها، فلا يُشرع التلفظ بها لا سرًّا ولا جهرًا. والنية تَنْفَع الناوي وَإِن لم يعْمل، وعامَّة الأعمال لا تنفع بدونها.

شرط: الشرط العلامة، وهو أنواع والمراد هنا الشرعي، وهو ما جعله الشارع شرطًا وإن تُصُوِّر الفعل بدونه، وحُدَّ بأنه: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. كاستقبال القبلة للصلاة.

لسَائر: السائر: الباقي، ويأتي بمعنى الجميع في لغة قليلة ولا يُقبل قول مَن أنكرها، قاله النووي. والمعنى على الأول: أي هي شرط صحَّة لبقية الأعمال غير التروك وما لا يُشترط لإجزائه النية. وعلى الثاني: فقد قيد الشيخ العموم في الشرح.

العمل: أي الشرعي ويشمل القول والفعل والترك. ممن له قصد صحيح.

بهـا: أي بالنية، التي هي القصد والعزم لا مجرّد الوسوسة والخطرة في الذهن.

الصلاح: من صلَح، وهو: الصواب، والمنفعة. ويشمل هذا: إجزاء العمل وبراءة الذمة منه بحيث يَسقُط الطلب به، ويُثاب عليه.

والفساد: أي عدم الإجزاء، والإثابة. بحيث يكون الطلب باقيا والذمّة مشغولة.

للعمل: (أل) للعهد الذكري.

وبيّن بقوله (بها الصلاح والفساد) أنَّ المراد هنا بالشرط: شرط الصِّحة.

تنبيه: بعض الأَبيَاتِ في هَذِهِ المَنظومَةِ يَنكَسِر عَلَى تفعِيلَةِ (مستَفعِلن مستَفعِلن مستَفعِلن) وَلِهَذَا يوجَد مَن يحَاوِل يصَحِّح تلك الأَبيَاتَ. مثل (النية) وبعضهم أَصلَحَ خَلَلَ هَذَا البَيتِ بِقَولِهِ: (نِيَّاتنَا شَرط لِسَائِرِ العَمَل)، أَو (فَنِيَّة شَرط) أو (نيتنا شرط) والأَمر إن شاء الله يَسِير؛ نَحن نرِيد أَن نَعرِفَ القَاعِدَةَ الَّتِي يَتَضَمَّنهَا البَيت.

* المعنى الإجمالي للقاعدة:

أنَّ عبادات وأفعال وتصرُّفات المكلَّف تابعة للنيات صحَّةً، وإجزاءً، وأحكامًا، وإثابةً.

* النية نوعان:

- نية المعمول له: وهذه النية تميِّز العامل أهو مخلص لله أم مراء ومسمّع، هل يبتغي وجهَ الله أو يريدُ دنيا أو مالًا أو جاهًا ونحوه. وهذه النية بمعنى: الإخلاص لله تعالى وقصد المعبود بالعمل دون من سواه شرط في قبول العمل. لقوله : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقوله قال الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا اشرك فيه معي غيري تركته وشركه».

- نية العمل: أي قصد العمل نفسه والعبادة نفسها. وهذه تميِّز العمل نفسه.

ولها مرتبتان:

المرتبة الأولى: تميز العبادة عن غير العبادة:

مثاله: ترك الأكل قد يكون عادة أو استشفاء، أو بنية التعبّد فيكون عبادة. وكذا: الغسل قد يكون للتبرد أو التنظف، أو بنية التعبد فيكون عبادة واجبة أو مستحبة. وكذا الذبح قد يكون لمجرّد الأكل أو التجارة، أو بنية التعبّد كأضحية ونحو ذلك.

المرتبة الثانية: تمييز العبادة عن عبادة أخرى: مثلا يغتسل للجمعة أو للجنابة. يذبح أضحية أو عقيقة. يصلي ركعتين راتبة عشاء أو من قيام الليل. يعطي مالا صدقة نافلة أو من زكاة واجبة.

* لكلِّ عمل شرطان لابد من توفرهما:

أحدهما: الإخلاص.

الثاني: المتابعة.

وقد ذكر ذلك المؤلِّف في قواعده الجامعة، القاعدة الخامسة، ومما قال: «فالعمل الجامع للوصفين هو المقبول، وإذا فقدهما، أو فقد أحدهما فهو مردود على صاحبه».

* دليل القاعدة:

تأتي النية -الإخلاص- في القرآن بلفظ الإرادة كقوله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152]، وقوله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]، وقوله: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الروم: 38].

وبلفظ الابتغاء، كقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 265]، وقوله: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]، وقوله: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل: 20].

وقال : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكل امْرِئٍ مَا نَوَى»([1]).

قال ابن رجب رحمه الله: «ليست الجملة الثانية تكرارًا للأولى، فإن الجملة الأولى دلَّت على أنَّ صلاح العَمل وفساده بحسَب النية المقتضية لإيجاده، والجملَة الثانية دلَّت على أنَّ ثواب العَامل على عمَله بحسب نيته، فالعمل في نفسه: صلاحُه وفسادُه وإباحته بحسب النية الحاملة عليه المقتضية لوجوده، وثوابُ العامل وعقابُه وسلامتُه :بحسب النية التي بها صار العمل صالحًا، أو فاسدًا، أو مباحًا».

* ما لا يشترط لإجزائه النية:

هناك تصرُّفات لا يُشترط لإجزائها النية: مثل إزالة النجاسة من ثوب وبدن، وقضاء الدين، ورد المغصوب، والوديعة، وغسل المحرم الطيب، والنفقة المطلوبة على آدمي أو حيوان، وسائر العادات من أكل وشرب ولبس ونحوه. وأمّا الثواب عليها فإنه يفتقر إلى نية.

ومِن أدلَّة عدَم افتقار قضاء الدِّين إلى نية ما في البخاري والمسند أنَّ أبا قتادة قال للنبي -لما قال «صَلُّوا على صَاحِبكم» للدَّين الذي عليه- : صلِّ عليه وهي عليَّ، فصلَّى عليه، وقال: «الآن برَدَتْ عليه جلْدُه». والميّت لا يأذن، وتبرأ ذمته.

* لابد أن تتقدم النية على العبادة وتقارنها وتصاحبها بحيث لا يفسخها ولا يقطع حكمها ويخرج منها. واستثنى بعضهم مِن تقدمها: صوم النفل فيصح بنية بعد أول العبادة.

* أصل عظيم:

وهو أنَّ المباح إذا قصد به التقوّي على طاعة الله تعالى أجر عليه بنيته الصالحة الطيبة. ومن أدلته حديث سعد بن أبي وقاص وفيه أنَّ النبي قال له: «وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ الله إِلّا أُجِرْتَ عليها حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِي امْرَأَتِكَ»([2]).

قال النووي -عند هذا الحديث-: «فيه: أنَّ المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة ويُثاب عليه، ... ويتضمَّن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله تعالى يُثاب عليه، وذلك كالأكل بنيَّة التقوّى على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكفَّ نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام، وليقضي حقها، وليحصل ولدًا صالحًا، وهذا معنى قوله: «وفي بُضع أَحدِكم صَدقة» والله أعلم».

وفي كلامه هذا إشارة إلى دليل آخر، وهو حديث أبي ذر أنَّ النَّبي قال: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا في حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا في الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»([3]).

وفي الصحيحين([4]) أنَّ معاذًا قال لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا وعلى راحلته، وأتفوَّقُه تفوُّقا، قال: أمَّا أنا فأنام وأقوم فأحتسبُ نومتي كما أحتسبُ قَومتي».

قال القرطبي: «وذلك لأنَّه كان ينام ليقومَ، أي: يقصدُ بنومه الاستعانة على قيامه والتنشيط عليه، والتفرّغ من شغل النوم عن فهم القرآن، فكان نومُه عبادةً يرجو فيها من الثواب ما يرجوه في القيام!، ولا يتفطّن لمثل هذا إلا معاذ الذي يسبق العلماء يوم القيامة برَتْوَة، وعلى هذا: فما مِن مُباح إلا ويُمكن أنْ يُقصد فيه وجهٌ من وجوه الخير فيصيرُ قربةً بحسب القصد الصحيح، والله تعالى أعلم»([5]).

قال شيخ الإسلام: «المؤمن إذا كانت له نية صالحة: أثيب على عامة أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته، والمنافق لفساد قلبه يُعاقب على ما يظهره من صور العبادات رياء»([6]).

 



([1])  البخاري (1)، ومسلم (1907).

([2]) أخرجه البخاري (1295)، ومسلم (1628) ووقع في رواية في الصحيح: «في فم امرأتك».

([3])  أخرجه مسلم (1006).

([4])  البخاري (4344)، ومسلم (1733).

([5])  «المفهم» (4/20).

([6])  «السياسة الشرعية» (181/ت: العمران).

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح